خليل الصفدي

414

أعيان العصر وأعوان النصر

فجبر اللّه بعوده قلبه ، وشد أزره وصلبه . ولم يزل على حاله إلى أن جمدت عين الجمدار ، ولم يعد له في مدى الحياة مدار ، وتوفي - رحمه اللّه تعالى - في الرابع عشر من شعبان سنة ثمان عشرة وسبعمائة . 832 - طقطاي « 1 » السلطان صاحب القبجاق هو طقطاي بن منكوتمر بن سابر خان بن الطاغية الأكبر جنكز خان المغلي ، ومنهم من يقول فيه : توقتقاي - بتاءين بدل الطائين ، وزيادة قاف بعد التاء الثانية - . وكان مع كفره فيه عدل ، وله جود على أهل الخير وبذل ، وميل إلى من تدين من أهل الملل ، ومن تظاهر بصلاح من أرباب النحل ، إلا أنه كان يرجح الإسلام ، ويحب الأئمة الأعلام ، وكان له ميل عظيم إلى السحرة ، وله التفات إليهم يعطر من الجو سحره ، وكان يعظم الأطباء ، ويقدم منهم الألبّاء « 2 » ، وممالكه واسعة ، وحدوده شاسعة ، وجيشه يربي على الرمل ، ويفوق من النبات عد الخمل ، جهز مرة إلى بعض الجهات من كل عشرة واحدا ، فبلغ ذلك مائتي ألف فارس ممن يعاني الحروف ، ويمارس ، وكان له ولد كان محياه البدر في التمام ، أو الشمس إذا انجاب عنها الغمام فأسلم ، وكان يحب سماع القرآن ، ولا يزال هو ومن يتلوه في قران ، ومات - رحمه اللّه تعالى - قبل أبيه ، فذاق كئوس العلقم لفراقه ، ولم تطفئ دموعه غلة احتراقه . ولم يزل طقطاي على حاله ، إلى أن أهلك اللّه نمروذه ، وكف كف الموت مديته المشحوذة ، وكان هلاكه في سنة اثنتي عشرة وسبعمائة ، وكانت مدة ملكه ثلاثا وعشرين سنة ؛ لأنه جلس على التخت ، وعمره سبع سنين . ولما مات طقطاي تولى أخوه أزبك - وقد تقدم ذكره - وقيل إنه جرد من عسكره من كل عشرة واحدا ، فبلغ ذلك مائتي ألف ، وخمسين ألف فارس ، وكان ابنه ذلك المليح قد نوى أنه إن ملك لا يترك في مملكته غير الإسلام ، فمات وترك ابنه صغيرا ، ولما مات طقطاي أوصى لابن ابنه المذكور فلم يتم له الأمر ، وولي بعده ابن أخيه أزبك المذكور ، وجلس على التخت في أواخر رمضان سنة اثنتي عشرة وسبعمائة ، وهذه المملكة هي

--> - رَبَّهُمْ أَلا بُعْداً لِعادٍ قَوْمِ هُودٍ [ هود : 59 ، 60 ] . ( 1 ) انظر : الدرر الكامنة : 2 / 2044 ، الوافي بالوفيات : 16 / 469 ، شذرات الذهب : 6 / 40 ، المنهل الصافي : 6 / 425 . ( 2 ) الألباء : الأزكياء العقلاء .